أملنا يتجسّد: زيارة البابا لاون الرابع عشر في مستشفى الصليب


الثلاثاء 2 كانون الأول 2025


في الثاني والعشرين من أيلول 2025، انطلقت التحضيرات لزيارة قداسة البابا لاون الرابع عشر في مستشفى الصليب. وقد تأسّست لجنة خاصّة، لمتابعة أدقّ التفاصيل الروحيّة والتنظيميّة واللوجستيّة، مؤلّفة من: الرئيسة العامّة الأمّ ماري مخلوف، الأختان ماري يوسف وروز حنّا، السادة إيلي يحشوشي، خليل كنعان، عبدو قرباني، ﭘـول حتّي، جوزف مخايل، النقيب سينتيا قصير، الدكتورة شانتال سركيس، والسيّدات ريتا مخلوف كنعان، نايلة فيّاض، ماري جوي حنّا. عقدت اللجنة اجتماعات متتالية بروح الفريق الواحد الذي عمل بمسؤوليّة وتعاون، حرصًا على أن يكون هذا الحدث على مستوى رسالة الرحمة التي يحملها المستشفى.

الثاني من كانون الأوّل 2025، يوم تاريخيّ استثنائيّ في مستشفى الصليب للأمراض العقليّة والنفسيّة. منذ لحظة وصول قداسته، عمّ المكان شعورٌ من الهيبة والفرح، حيث تلألأت ابتسامات تلامذة مدارس الجمعيّة، والوفود من مؤسّساتنا وخارجها، المنتظرة في الساحات الخارجيّة بترقّب وشوق لرؤية الأب الراعي الذي حمل معه السلام؛ بينما المرضى داخل القاعة يترقّبون مهلّلين.

استُقبل قداسة البابا بالنشيد الذي كتبه الشاعر نزار فرنسيس، ولحّنه المايسترو إيلي العليا خصّيصًا لهذه المناسبة بعنوان “أملُنا”، وأدّته جوقة ذخائر الطوباويّ أبونا يعقوب بقيادة المايسترو إيلي خيّاط، وعزف إيلي سمعان. لم يكن النشيد مجرّد فقرة في البرنامج، بل كان صلاة حيّة، وصرخة أمل صادقة من قلوب المرضى، تعكس صبرهم، وإيمانهم، ومحبّتهم للأب الأقدس، وانتظارهم لرؤية الطوباويّ أبونا يعقوب قدّيسًا مرفوعًا على المذابح.

من أعمق اللحظات تأثيرًا، كانت كلمة الرئيسة العامّة الأمّ ماري مخلوف التي عبّرت بدموعها عن قدسيّة هذه اللحظة، وما يعنيه كلّ مريض يحتضنه مستشفى الصليب، قائلة: “هُنا، أشخاصٌ مَنسِيُّون، تؤلمهم وَحدَتُهم… هُم وجوهٌ لا تُطِلُّ عَبرَ وسائلِ الإعلام، ولا فوقَ المنابر… وها أنتُم، بزيارتكم، تؤكّدون لإخوةِ يسوع الصغار، أفقَرِ الفقراء، وأكثرِهِم بُؤسًا، أنّهم مَحبُوبون مِن الله، وأنَّ لهم مَكانةً عزيزةً في قلبه، وفي قلبكم…”. تبعها مريضة ومريض، عبّرا بكلماتهم البسيطة في عباراتها، والعظيمة في معناها، عمّا يختلج قلبهما وفكرهما: “لسنا مرضى فقط، نحن قلوب تبحث عمّن يفهمها، ويؤمن بقدرتها على النهوض من جديد”. ساد صمتٌ مهيب في القاعة، اختلطت فيه الدموع بالرجاء، وشعر الجميع أنّ هذا الصوت لم يكن صوت فردَين فقط، بل صدى لكلّ من يعيش الألم بصمت، وينتظر التفهّم والحنان.

أمّا كلمة قداسة البابا لاون الرابع عشر، فقد كلّلت اللقاء، متوّجّهًا فيها إلى المرضى والطاقم الطبّيّ والتمريضيّ، والراهبات، تاركًا الأثر في قلب كلّ منهم: “يسعدُني أن ألتقيَ بكم،… لأنّ يسوع يسكنُ هنا. هذا المستشفى أسّسه الطوباويّ “أبونا يعقوب”، رسولُ المحبّةِ الذي لم يكِلّ ولم يتعب… وتُواصِلُ راهبات الصليبِ الفرنسيسكانيّات عملَهُ، ويَقُمنَ بخِدمةٍ ثمينة… أحيّي وأشكرَ شكرًا جزيلًا طاقِمَ المستشفى. إنَّ حضورَكم المهنيّ والحاني، وعنايتَكم بالمرضى، هي علامةٌ ملموسة على محبّةِ المسيحِ وحنانِه… أدعوكُم إلى أن تضعوا دائمًا أمام أعيُنكم الخيرَ الذي يمكِنُكم تحقيقَه. إنّه عملٌ كبير في عينَي الله!… وأنتم، أيّها الإخوةُ والأخواتُ الأعزّاء، الذين امتحنَكُم اللهُ بالمرض، أودُّ فقط تذكيرَكم بأنّكم في قلبِ الله أبينا. وهو يحمِلُكم بين يدَيه، ويرافِقُكم بمحبّته، ويغمُرُكم بحنانِه من خلال أيدي وابتساماتِ الذين يهتمّون بكم”.

بعد ذلك، زار قداسة البابا قسم السان دومينيك في لقاء خاصّ بعيد عن أيّ تغطية إعلاميّة، احترامًا لرغبته بأن يكون اللقاء إنسانيًّا بحتًا. اقترب من كلّ مريض فردًا فردًا، صافحهم، باركهم، وأصغى إليهم بقلب أبويّ صادق، فكانت لحظة صمتٍ عميقة مفعمة بالرحمة والطمأنينة.
في هذا اليوم، التقت المعاناة بالرحمة، والصمت بالكلمة، والدمعة بالابتسامة. وسوف تبقى هذه الزيارة-النعمة علامة رجاء مضيئة في أرجاء مستشفى الصليب، محفورةً في ذاكرة كلّ من حضر، لتذكّر بأنّ لكلّ إنسان، مهما اشتدّ ضعفه ومرضه، مكانًا في قلب الكنيسة. وتبقى القاعة التي حملت اسم البابا لاون الرابع عشر شاهدةً حيّة على هذه اللحظة التاريخيّة، حيث جُمّدت في جدرانها دموع الفرح، وانعكس فيها صوت النشيد وكلمات المرضى، فأضحت حاضنة للكرامة الإنسانيّة.